يحيي بن حمزة العلوي اليمني
4
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
المجاز ، بخلاف التشبيه ، فإن ما كان منه مضمر الأداة ، فهو معدود في الاستعارة والتمثيل ، وهو مجاز ، وما كان مظهر الأداة فليس معدودا من المجاز ، وإن عدّ في البلاغة كما أسلفنا تقريره . ومن غريب أمثلة التمثيل ما قاله ابن الرومي « 1 » : إذا أبو قاسم جادت لنا يده * لم يحمد الأجودان البحر والمطر وإن أضاءت لنا أنوار غرّته * تضاءل النيّران الشمس والقمر وإن نضا حدّه أو سلّ عزمته * تأخّر الماضيان السيف والقدر من لم يبت حذرا من سطو صولته * لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر ينال بالظنّ ما يعيى العيان به * والشاهدان عليه العين والأثر ومن ذلك ما قاله أبو تمام « 2 » : مها الوحش إلّا أنّ هاتا أو انس * قنا الخط إلّا أنّ تلك ذوابل ومن جيّد ما يقال في أمثلة التمثيل قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [ الجاثية : 23 ] . مثّل اللّه تعالى حال من انقاد لهواه ، واستولى عليه سلطانه ، حتّى صار عقله موطوءا بقدم الهوى ، وجعل في إسار الذّلّ ، وربقة الملكة وحصل غالبا عليه في جميع أحواله مطيعا له في كلّ أموره ، بحال من له إله يعبده ، ويطيعه في جميع أوامره ونواهيه ، ثم لمّا علم اللّه تعالى من حاله ما ذكرناه أضلّه بترك الألطاف الخفيّة على علم باستحقاقه للخذلان لإعراضه ، ومثّلت حالته فيما صار إليه من الخذلان بسلب الألطاف ، بحال من ختم على سمعه ، وقلبه ، وجعل على بصره غشاوة ، في النكوص والتمرّد عن الهدى ، وسلوك جانب الغىّ ، وركوب غارب البغى ، فمن هذه حاله لا يرجى صلاحه ، فهكذا حال من ساعد هواه وكان مطيعا له في الأمور كلها . ومن التمثيل الرائق قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [ الأنعام : 25 ] وقوله : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ يس : 9 ] .
--> ( 1 ) انظر المصباح / 173 ، وفيه نسبة الأبيات لابن الرومي ، وقد نسبت أيضا لأحمد بن أبي طاهر في الصناعتين / 480 . ( 2 ) انظر المصباح / 172 ، وديوان أبى تمام 1 / 241 .